Nablus24- مطحنة “بن بريك”.. حكاية عمرها 400 عام

مطحنة “بن بريك”.. حكاية عمرها 400 عام

Post icon   مطحنة “بن بريك”.. حكاية عمرها 400 عام

خاص _  Post icon _ ولاء أبوبكر

أذان الفجر يدوّي في كل زوايا البلدة القديمة في نابلس، ليستيقظ الخمسيني أبو بهاء ويصلي ويحتسي كوبا من قهوته الصباحية، مثل كل يوم يذهب مسرعا ليفتح مطحنته القديمة، ليبدأ يومه بصنع البهارات والتوابل والزعتر والأعشاب.

بين ثنايا جدران حارة الياسمينة العتيقة وبجانب جامع الساطون، حيث أبواب مطحنة بن بريك، أقف على جانب الطريق أنتظر وصول أبو بهاء، وما أن يفتح الباب استقبلتني رائحة البهارات والتوابل التي تصنع بطريقة شهية تنفتح نفس الإنسان على الطعام، عدا صوت الماكينات القديمة الذي يضج به المكان.

لدى دخولك إليها تحتار عيناك إلى أين تنظر، لجميع أنواع البهارات المرتبة بطريقة جميلة بألوانها الزاهية، أم لتلك الفواكه والخضار المجففة المصنوعة على شكل قلائد ومعلقة بسقفه الجميل المدبب، أم لحكاية التراث الذي صنعها أو بهاء بيده ليرتبها في مطحنته بصورة يصعب نسيانها لكل الزائرين لها.

يتربع باسل عبدالفتاح بريك أبو بهاء (55 عاما) في غرفته الشعبية المزينة بالفراش الشعبي القديم ويبدأ حديثه عن مطحنته قائلا: “منذ عام 1936، كان والدي رحمه الله يعمل في مطحنتنا القديمة، ويعمل بالعطارة وصناعة التوابل والبهارات بأنواعها كافة، وتعلمت منذ صغري هذه المهنة عنه، فانتقلنا إلى هذه المطحنة القديمة الذي يتجاوز عمرها 400 عام، لنبقى محافظين على كل ما هو قديم في بلدنا”.

وعن سبب تسمية المطحنة بهذا الاسم يقول أبو بهاء: “كون عائلتنا من العوائل المعروفة في مدينة نابلس ومشهورة بعملها الموثوق، فكانت المطحنة باسم بن بريك نسبة لعائلتنا بريك، ومن المعروف عن المطحنة أنها مقامة على سبع آبار”.

“كل ما يتم تصنيعه في مطحنة بن بريك لا يمضي عليه يومان إلا ويتم شراؤه من الزوار الأجانب وسكان المحافظات المختلفة، فهناك إقبال كبير خاصة من القدس، فكل ما يخطر ببالك يتم صنعه”، بهذه الكلمات يتحدث أبو بهاء عن فرحته بقدوم المشترين.

وعن سر جاذبية ما يصنعه في مطحنته يقول: “يتم تصنيع الزعتر الشعبي بطريقة شهية، فتتم إضافة الكزبرة والكمون والكراوية والسماك وعين جرادة ويخلط حتى يصبح جاهزا، عدا تصنيع كافة أنواع البهارات الصينية والهندية والخليجية واليمنية، وتتم إضافة خلطات لها ما يمنح الطعام ميزة خاصة”.

بعد الانتهاء من حديثي مع أبو بهاء حول نكهته الخاصة بصنع البهارات، لفت انتباهي تلك الأدوات التراثية المعلقة في كل زوايا المطحنة ليقودني جمالها لتلك الغرفة التراثية التي كان لها حكاية أخرى. يقول أبو بهاء: “شغفي وحبي منذ صغري لأدواتنا التراثية التي تعبر عن أصالتنا دفعني لتجميعها، فتجولت في الشام وفلسطين والأردن لجلب كل هذه الأدوات، وأحتفظ بها في مطحنتي”.

“المهباش صاحب الصوت الموسيقي الجميل الذي يستقبل ضيوف البادية قديما بعد طحن القهوة عليه وتقديمها لهم، والزير ذلك الفخار الذي يبرد المياه ويحفظ الفواكه من حر الصيف، والألفية ذات الزجاج المقعر وطوق الحديد حولها تحتفظ بالزيت قديما، كثيرة هي الأدوات التراثية التي تتزين بها تلك الغرفة الشعبية المصنوعة بأنامل فلسطينية”، يصف أبو بهاء مقتنياته التراثية.

ويواصل حديثه بابتسامة ملؤها الفخر والاعتزاز بما لديه من أدوات تراثية “هذه الغرفة مليئة بكل ما يخطر في بالك عن تراثنا العريق، فهذه ماكينة الخياطة التي تسمى بـ (السنجر)، وطاحونة الرّحى التي أتعجب من مجهودهم الذي كانوا يبذلونه لطحن البقوليات عليها، والخزانة التي كانوا يطلقون عليها النملية، والربابة التي تستقبل الضيوف بصوتها الرقيق، وصوت المذياع الذي يعزف ألحان تسر لها قلوبهم، وهناك الكثير لا نستطيع إحصاءها”.

كل زاوية في المطحنة تضم أصنافا مختلفة، فهذه الواجهة تضم تنورا من الصابون النابلسي المرتب على شكل الهرم كما يطلق عليه أهل المدينة، وذلك الباب المعلق عليه القطين والباميا والبندورة والفلفل والليمون التي تعيد الى أذهاننا صورة أجدادنا وهم يجففون هذه الخضار والفواكه لعدم وجود ثلاجات قديما.

أخبار ذات صله

تعليقات

تحميل ....