Nablus24- شتّان ما بين الأم والوالدة

شتّان ما بين الأم والوالدة

Post icon شتّان ما بين الأم والوالدة

يقول الله تعالى في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم:” وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا”، وليس بغريب أنّ الرسول الأكرم محمد (ص) قال بأن “الجنة تحت أقدام الأمهات”، وكل الديانات السماوية أشارت إلى قداسة ورقي هذه الوظيفة “الأمومة”، فمن هو هذا المخلوق الذي شغل الدنيا وملأ الناس، واحتار العلماء والفلاسفة في وصفه؟

هناك رابط ما بين الجنين وأمه، رابط أقل ما يقال عنه بأنه “مقدس”، لماذا هذه القداسة؟ هل تدري ما معنى أن تشعر الأم بتكون جنينها في أحشائها، ينمو من ما تأكله، تتكون مشاعره مما يغتمرها من عواطف وأحاسيس، فعندما تغضب يبدأ الجنين بالتحرك بطريقة سريعة وكأنه يشارك والدته الغضب، وعندما تفرح يشعر بسكينة وهدوء، عندما تستمع إلى موسيقى هادئة تجعله يتناغم مع كل نوتة موسيقية، وعندما تدخن يبدأ بالركل وكأنه يقول لها:” أرجوك كفى لقد اختنقت”… وعند الولادة ورغم الألم الذي لا يوصف ومعاناة المخاض، إلا أن هناك فرحة تغمر كلا الطرفين، فرحة اللقاء لأول مرة بعد تسعة أشهر، لقاءً متوجًا بالدموع.

ويبدأ هنا مشوار من نوع آخر، مشوار مليء بالحب وبالحنان، فعندما تحتضنه أثناء الرضاعة، يعبق المكان بشحنات هائلة من العاطفة وكأنها هالة تحيط بهما، تضمه إلى صدرها فيشبع غذائيًا ومعنويًا. هذه العلاقة مليئة بالتضحية والعطاء، فكم تعبت وسهرت عندما مرض وليدها، وكم تحملت من عذاب ومن عناده لتجعل من طفلها الأجمل والأكثر أدبًا وتهذيبًا وتفوقًا في المدرسة، وكم كانت تنتظره بفارغ الصبر ليعود من مشواره البعيد، ومع كل ثانية كانت تمر ينبض قلبها شوقًا إليه، كم شعرت بالخوف عليه من رفاق السوء، أو من أي أذية تلحق به. كم سعت في هذا العالم المادي المليء بالإنحلال الأخلاقي والإنحطاط الفكري أن تحصنه بالإيمان وبالأخلاق والقيم، وبأن تكون صديقته ومخزن أسراره، والظل الوارف الذي يحتضنه في السراء والضراء.

مهام الأمومة متعددة وليست محصورة فقط بالإنجاب، فمعنى “الأم” يختلف عن معنى “الوالدة”، فالأخيرة هي من تلد فقط، أي المستقيلة من مهامها، ربما بسبب الجهل، أو غياب الوعي والإدراك، فكم من والدة ننظر إلى أطفالها ونشفق عليهم بسبب غياب الرعاية والعناية بهم، ونلومها على إهمالها لهم. وربما من أسباب استقالتها عن هذه المهام المقدسة يعود إلى المشاكل والمناكفات الزوجية الدائمة، أو لأنها تعتبر بأن قدوم الطفل قيّد من حريتها، وغيّر من تقاسيم جسدها الرشيق، وجعلها تبدو أكبر سنًا، فتهمل أطفالها راكضة لاهثة خلف استعادة جمالها. فيعاني الطفل معاناة على الصعيدين النفسي والمعنوي أكثر منه على الصعيد الجسدي، لأنه يشعر بجوع عاطفي وهذا الجوع خطير على تكوين وصناعة شخصيته. لذا نقول بأن من تقدم على خطوة الزواج، من المفترض أن تكون مؤهلة فعلًا لتحصل على مرتبة “أم”، وما تتضمنه من واجبات، وأن تنال قدرًا كافيًا من التوعية والتثقيف حول هذه المسؤولية وما تتضمنه من واجبات، فالأم الناجحة تنجب شخصيات مميزة.

أما الأم التي أرغمت وأجبرت على التخلي عن أطفالها، فعليها أن لا تقطع التواصل معهم، عليها أن تشعرهم بأنها دائمًا بقربهم رغم المسافات، وهناك العديد من الوسائل للتلاقي إما عبر إتصال أو هدية أو لقاء سريع….وتأكدي أن الذكر (وليس الرجل) الذي يحرم أطفاله من أمهم، هو إنسان جاهل لا يعي أبدًا مخاطر هذا الموضوع وتأثيره النفسي الخطير عليهم…

“الأمومة” هبة ربانية، هنيئًا لمن نالتها وحافظت عليها… وهنيئًا لمن كان بارًا لهذه التضحيات والعطاءات التي تقدمها الأم من الأبناء ومن الزوج أيضًا، قال تعالى{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}

أخبار ذات صله

تعليقات

تحميل ....