Nablus24- مباريات الجوع على أرض الواقع..

مباريات الجوع على أرض الواقع..

Post icon مباريات الجوع على أرض الواقع..

بقلم شام حسين

قبل حوالي سنتين شاهدت فيلماً أجنبياً علق مضمونه العام في ذاكرتي حتى اليوم ! هذا الفيلم كان انتاجاً لروايةٍ للكاتبة " سوزان كولنز"، تعجبت من الكاتبة كيف تمنكت من صياغة كمية من القضايا بشكل مترابط و مبطَن !

سلسلة الأفلام المأخوذة من هذه الرواية حملت الاسم الرئيسي لها في أول انتاج و هو " The Hunger Game" أي "مباريات الجوع، تلاه انتاج "Mockingjay" "الطائر المقلد" و أخيراً كان " Catching Fire" "ألسنة اللهب".

تنطلق مباريات الجوع في مواسمها كل سنة كتمجيد و تخليد لذكرى الثورة التي قامت بها المقاطعات على الظلم و الاستبداد، تُقدّم الأرواح فيها لتقدير الماضي، ولكن! الظلم و الاستبداد زاد الأضعاف بعد تلك الثورة.

"مباريات الجوع " اقتسام الكرة لعدة مقاطعات، تركّز الأموال بيد فئة معينة، رفاهية و ترف في مقاطعة، و جوع و فقر و عذاب في باقي المقاطعات، تجويع الناس من أجل لهيهم عن الحقيقة، يمنعون كل شيء ليمنّوا على المواطن حين يعطوه القليل من حقوقه، ولكن من يأبه بالحقوق في ظل الجوع و الذلَ، يبيع المواطن شرفه من أجل الحصول على لقمة العيش حين تشتد عليه الأحوال.

تماماً كما يحدث بين الدول المانحة و الدول النامية، إن الاستعمار بمفهومه العام يعني السيطرة من أصحاب القوى بمختلف أنواعها، القوّة المالية، العسكرية، السياسية، و غيرها

أصحاب الألعاب " القوّة المتحكمة في تلك المقاطعات " يحرّكون الشعوب الفقيرة بذلّ، بخيوط متسخة قذرة من خلف الكواليس ليضحك و يفرح أصحاب الأموال الجالسين على مقاعد المسرح، تُسلّط الأضواء على الدمى المتحركة و تغيب عن الخيوط و المتحكمين فيها.

ما يعني أن تكون اللعبة التي يتسلى بمشاهدتها ملايين الناس من المقاطعات عبارة عن ساحة معركة، الفائز هو الناجي الوحيد من الموت! ليتحول الموت من مأساة مفجعة الى هدف يُسدد، بانتظار التالي.

إن العقل الباطن للإنسان حين يشاهد هذه النوعية من البرامج و الأفلام تنقلب مفاهيمه و أفكاره تدريجياً تبعا للظروف المحيطة المقرونة بالأفعال، انا كمشاهد بالطّبع ستغيب عن عقلي فكرة أن البطل الذي أحييه و أنتظر نصره هو بالفعل قاتل! الباقي الوحيد من مجموعة كبيرة، إثني عشر روحاً زهقت ليبقى هو الفائز و ليحافظ على استمرارية حياته، ما أصعبها من معادلة، كيف نحيي قاتل و نبرر الوسائل و الغايات هنا؟

السيادات و أصحاب السلطة دائما يتشابهون في الكثير من الصفات، فما فعله أصحاب السلطة في المقاطعات تدريجياً لتحويل الموت الى مشاهد تنتظرها الجماهير، عمل الحكام و حاشيتهم على هذا المبدأ في بداية أحداث الثورات العربية "الربيع العربي" انطلاقا من نقطة التعويد على رؤية الدماء التي تُراق، كان الموقف ثابتاً لدى الجميع في بداية الأمر القاتل هو قاتل مهما كان منصبه، ولكن بدأت الآراء تختلف بعد ذلك، فبرروا موت الناس وقتلهم، وبرروا هدم البيوت و ملىء الشوارع بالدماء و الخراب و الدمار، و في النهاية اكتفوا بالمشاهدة و حسب، دون التدخل في أي شيء و هذا تماماً ما حصل مع المواطنين في المقاطعات يتناسون كل شيء بشع و يُجبِرون عقولهم على استيعاب كل هذا فقط تحت مسمى اللعبة " للتسلية "

و في الغالب أيضا، الحكام و أصحاب السلطة مغيبون عن فكرة قيام ثورة أو انقلاب على حكمهم؛ يلتهون عادة في الإعداد للمستقبل و التفكير بخطط جديدة لكسب المزيد و تمشية مصالحهم كأنهم سيعمرون الى الأبد دون انتهاء أعمارهم أو فترة حكمهم، جشاعة تفكيرهم هذا تبعدهم عن احتمالية الإسقاط بهم و بالتالي لن يكون هناك أي استعداد ليوم كهذا ولا أي خطة للنهوض من جديد و هذا يجعل النظام هش غير قادر على التصدي لأي ثورة؛ فإن وقع المستبدّ سيُداس بأقدام من أصبحوا أحراراً من العبيد.

فكرة التمرد في الفيلم جاءت على هيئة مخالفة للقوانين من قبل البطلة " كاتنيس" فأسقطت بقانون المسابقة الذي ينص على فوز متسابق واحد و أجبرت مصممو الألعاب و رئيس المقاطعات على إعلان فوزها و متسابق مقاطعتها أيضا كثنائي منتصر و إلا أقدما على الانتحار سوياً و بقيت المسابقة بدون منتصر، فرضخت السلطة لرغبتها خوفاً من ردّ فعل الجماهير المشاهدة، بعد ذلك أصبحت "كاتنيس" رمزاً للثورة و التمرد المُنتظر من قبل كل المقاطعات، ما شكّل خطراً و تهديداً لنفوذ الحكم و السلطة و بالتالي الحاجة الشديدة للتخلص منها. حين يكون الحاكم على يقين تام بأن صاحب الثورة إن مات ماتت معه ثورته و عاد الحكم الى أدراجه السليمة فهذا يعني افتقاد الشعب لثقافة الثورة و عدم قدرته على قيادة ثورته بنفسه، أي أنه مجرد تابع يعجز عن قيادة الثورة، إن مات قائده انتظر الآخر.

و هذا هو الجوهر، سيأتي يوم يموت فيه مصممو الألعاب و رئيس المقاطعات و الحاكم المستبد و القاتل باسم الحفاظ على أمن الدولة كل هؤلاء سيذهبون ولكن نحن كشعب هل سنذهب؟

بالطبع لا، استمرارية وجود الشعب تتطلب الوعي والثقافة والبصيرة بناء على الأحداث الراهنة وهذا ما يحمي الشعب من الضياع، إيمان كل نفر منا بقدرته على قيادة ثورة، حكم شعب، الاستقلال وسط كل هذا الاستعباد، كل ذلك عبارة عن أساسات قويمة للشعوب، مهما حدث بعدها و مهما جاء ظلام و مستبدون لن تتزلزل هذه الأساسات ستبقى شامخة.

في ختام الفيلم أيقن المواطنون أنّ جوعهم و فقرهم طوال سنين ما كان إلا نتيجة سكوتهم و قبولهم بالذل، تمكنت "كاتنيس" من إيصال الثورة و فكرها و زرعها بداخل كل منهم، و بقوة المؤيدين لها و حبهم و توقهم للتحرر تمكنت من الاسقاط بكل ظالم.

مصير كل ظالم أن يزول، ليس المهم كيف و متى، معظم النّاس يرون أن زوال الظالم هو انتهاء للظلم، في الحقيقة انتهاء الظلم مفهوم غير موجود ولكن الاستعداد للتصدي للظلم يحمي كل مواطن من الاستبداد، و يوفر له حياة كريمة، فالكرامة ذاتية و ليست مكتسبة.

أخبار ذات صله

تعليقات

تحميل ....