أمجد أبو العز "الأزمات تصنع الرجال"

أمجد أبو العز “الأزمات تصنع الرجال”

خاص- Nablus24- أمجد أبو العز “الأزمات تصنع الرجال”

كتبت: مرام كلبونة

يعتقدُ أن الغربةَ والمرض والأزمات تغير الإنسان، فعلى الرغم من الغربةِ لأكثرِ من عشرِ سنوات إلا أنه ما زال يعترف أنه ينتمي إلى قريةٍ منعزلة منسية إلى قريةٍ ما زالت جذورها راسخةً فيه، يُقدر التعليم، ويحاول بقدر الإستطاعة أن يساعدَ الشباب، ملامح وجهه ترسم حدود الزمان، عيناه صغيرتان كقلادة لامعة لا يعرفون البأس ولا الإستسلام، قوي البُنية، حاد الصوت، متمرد لا يخضع لصعوبة المواقف، رجلٌ مكافح برداءٍ متواضع، امتزجت بروحه الإبتسامة وكان للقوة علامة، يده اليمنى ساندت يده اليسرى ليصل لما هو عليه الآن.

أمجد ابو العز ابن التسع وثلاثون عاماً، ينتمي لعائلة متوسطة عدد أفرادها ثلاثة شُبان وابنة واحدة ووالديه، وهو مواليد قرية بيتا، “قريةٌ عزلاء منسية” كما وصفها محمود درويش، تقع في الجهة الغربية لمدينة نابلس، وهيَ قرية بسيطة متواضعة، سُميت بهذا الاسم كونها تمثل مبيتاً أمناً لجميع السّكان، ويقال أن أهالي القرى المجاورة يهرعون لبيتا لأخذ السكن والإستقرار فيها لإحتوائها على الأمن والأمان والتطور والتجدد.

مرحلة الطفولة

ترعرع هاجس التعليم في ذهن أمجد منذ الصغر، فكما هو معروف أن قرية بيتا تَعتبر قضية التعليم قضية أساسية لدى سكانها، كما ويَكثُر فيها المحاضرين والمثقفين وأصحاب الشهادات والعلوم المختلفة.

بدأ أمجد مرحلة الطفولة بمستوى متدني، فكان غير مهتم أو مكترث لقضية التعليم، وفي سياق الحديث يستذكر أمجد موقف المعلم داخل الصف قائلاً:” قام المعلم بطرح سؤال على كل طالب وعند وصوله للمقعد الذي أجلس به تلاشاني المعلم ليطرح السؤال على من يجلس بالمقعد الخلفي”، هذا الموقف أوقع في نفس أمجد صورة سلبية لهُ عن نفسه، ومن هنا بدأت القصة ..

خرج أمجد من المدرسة متجهاً إلى البيت، وهو يحمل كمية كبيرة من الحزن والإرادة ليتجاوز تدني مستواه وتهميش المعلم له داخل الصف، فأصبح يبكي كل يوم لشقيقته طالباً منها مساعدته وتدريسه اللغة الإنجليزي ومعانيها، وبدأ هو يطلع على الكتب ويقرأ ويتابع كل درس قبل فترة من طرح الأستاذ للمادة داخل الصف، حتى يكون على أتم استعداد للمشاركة والإجابة على الأسئلة التي يطرحها المعلم، وبالفعل ازداد الحس التعليمي لديه وارتفع احترامه لذاته وأصبح طالباً متفاعل كبقية الطلبة داخل الصف.

الأحلام تعكس الواقع

منذ الطفولة كان أمجد يرى نفسه ضمن صورة، يمشي بداخلها في طريقٍ طويل مليءٌ بالمحلات المتنوعة، وبيده شنته يجرها وراءه ضمن مدينة كبيرة وواسعة، كانت تلك الصورة بمثابة حُلم، ينتظر الأيام ليرى حُلمه ماذا سيكون ولإين سيصل؟

كان أمجد طالباً مشاغباً، لكن كما هو مُعتاد إن كان الطالب متفوق تُغفر له مشاغبته، وكان يُعتبر قائد الطلاب في الصف، فكانوا ينتخبوه بأي أمر سواء كان إيجابي أو سلبي، الأمر الذي عكس نوع من التمرد في شخصية أمجد، لكن لا بد أن ننوه أن تمرده كان ممزوجاً بالتأقلم، أي التأقلم مع من حوله ومع الواقع الذي يعيشه وتخطي كل المطبات للوصول لنجاح، وحلمه الذي يتجسد بطريق طويلة وشنتة يجرها بيده ضمن شوارع واسعة.

ما قبل وبعد الثانوية العامة

غادر أمجد الأراضي الفلسطينية قبل ثلاثة سنوات من بدأ مرحلة التوجيهي، ليقطن في دولة الإمارات بجانب عائلته، التحق بإحدى المدارس الإماراتية، ليُكمل مسيرته التعليمية، لكنه واجه العديد من الصعوبات والمشاكل، كان أولها التقدم الثقافي لدى الطلاب الذين يدرسون هناك، حيث أنهم يجيدون اللغة الإنجليزية بطلاقة وأمجد لا تتجاوز معرفته للغة نسبة 30%، ومن أشد الصعاب أيضاً كان المدرس المسؤول بتلك المدرسة من أصول سودانية، فلم يتمكن أمجد من أن يفهم عليه لغته، فتوجه للمدرس في مكتبه قائلاً:” أنا فلسطيني وانتا سوداني وأنا مش عم بفهم عليك أي شي”، ضحك المدرس وأشار عليه أن يبدأ بتعلم اللغة الانجليزية من الصفر حتى يصل لنفس مستوى الطلاب المتواجدين داخل الصف، وبالفعل بدأ أمجد الدراسة وكأنه بمرحلة التمهيدي، وأصبح يجيد اللغة الانجليزية.

وصل أمجد مرحلة الثانوية العامة وهو ما بعرف بإسم التوجيهي، كان أمجد ينتسب للفرع العلمي، وبسبب كرهه لمعلم الرياضيات وحدوث العديد من النزاعات بين أمجد وبينه، قرر أمجد وبعد مرور فصل كامل على بداية التوجيهي أن يحول للفرع الأدبي، وكما ذكر أمجد في البداية واجه صعوبة في الإنخراط والتأقلم ضمن مواد لا يعلم عنها سوى مسمياتها، لكنه في مرحلة ما قبل الإمتحانات بثلاثين يوماً جمع كتبه التي ينبغي له أن يدرسها، وقام بعمل حساب يتضمن عدد الصفحات المطلوبة منه مقسومة على عدد الأيام الممنوحة لطلبة، ودرس كل الكُتب بناءاً على هذه الإستراتيجية.

 حصل أمجد على المرتبة الأولى في الثانوية العامة على مستوى المدينة كاملة بمعدل 89% الفرع الأدبي، وتكريماً له ولطلبة أمثاله قام شيخ المدينة التي كان يقطن بها أمجد وهو حميد النعيمي بدعوة الأوائل على المدينة إلى قصره، وتقديم هدية لكلٍ منهم، تتضمن فحواها درعٌ مصنوع من الذهب مكتوب بداخله إسم كل طالب مع تهنئة بالتفوق.

مرحلة البكالوريوس

يصف أبو العز تلك المرحلة بأصعب مراحل حياته، فبعد تخرجه من المرحلة الثانوية قرر أن يلتحق بالجامعة الإماراتية ليُكمل البكالوريوس، لكن في تلك الفترة كانت أعباء حرب الخليج ما زالت تؤثر على الوضع الإقتصادي للبلاد، فلم يستطع والده تدريسه، وبما أن أمجد حصل على المرتبة الأولى في الثانوية العامة على مستوى المدينة قرر أن يلتحق بجامعة الإمارات على أمل أن يحصل على منحة لدراسة، وأضاف “لم أستطع الحصول على أي منحة لأن منظمة التحرير كانت تُقدم التدريس المجاني (المنحات) لأولاد المحسوبيات والواسطات وللإماراتيين فقط فأنا فلسطيني غير حامل للكرت الأصفر، وبعد محاولات باءت بالفشل لم أستطع أن أدرس في الجامعة الإماراتية”.

ويتمم أبو العز:” لم يكن هناك خيارٌ لي سوى العمل”، فباشر العمل في مصنع لمدة قصيرة ثم انتقل للعمل في منجرة لمدة ثلاثة أشهر، كان العمل في المنجرة محطة ليُثبت بها أمجد نفسه، فلم يكن الأمر بسيط، فكانوا زملاءه في العمل من الهنود وأعمارهم تتراوح بين 30-45عاماً، وهو شاب صغير عُمره لم يتجاوز 19عاماً.

وفي تلك المدة القصيرة وهي ثلاثة أشهر فقط، يشير أمجد في سياق الحديث:”تمكنت أخيراً من جمع جزء من قسطي الجامعي الأول المطلوب مني في جامعة النجاح الوطنية وقمت بإستلاف قرض من الجامعة حتى تمكنت من جمع قسطي الأول”، وبعد تأخر صدور جواز السفر لمدة دامت 40يوم، وصل أمجد الأراضي الفلسطينية وباشر أمور التسجيل في جامعة النجاح بعد أن فاته 40يوم من دوام الطلبة، ينوه أبو العز:” لكن لحسن حظي في تلك الفترة كانت الإضرابات كثيرة وتعليق الدوام أيضاً فلم يفوتني أيام دراسية سوى 21يوماً “.

إلتحق أمجد بكلية الإقتصاد والعلوم الإجتماعية تخصص علوم سياسية وإعلام، وفي تلك الفترة لم يكن على أمجد سوى جمع قسطه الجامعي ومواصلاته من وإلى الجامعة، فقام بتسجيل المواد لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع، والثلاثة أيام المتبقية عَمل أمجد ضمن شواغر مختلفة، كان منها العمل بمعصرة لزيتون لفترة وبفترة اُخرى عمل في الإسمنت وعمل أيضاً في المطاعم وفي العَمار.

يقول أمجد:” بقيّت على هذا الحال حتى قرأت ذلك الإعلان في الجريدة “، كان أمجد من متابعي الجرائد ومن محبي القراءة، فقرأ إعلان بعنوان إنعقاد دورة دبلوم تابعة لهيئة الإذاعة البريطانية وجامعة بير زيت، فسارع لتسجيل فيها، على الرغم من عدم توقعه أنه سيحصل عليها.

خضع أمجد لمقابلة مكتوبة وأُخرى صوتية، واجتاز المقابلة وحصل على الموافقة مُباشرة، من الممكن أن دراسته لتخصص العلوم السياسية والإعلام كانت دافع قوي لقوة قلمه بالكتابة، وباشر الدراسة في جامعة بير زيت في مستوى الدبلوم وأكمل في جامعة النجاح الوطنية في مستوى البكالوريوس على حدٍ سواء.

يضيف أمجد:” كُنت بأخر سنة للبكالوريوس وكان ينتهي دوامي الأول في جامعة النجاح الساعة الثانية ظهراً، فأركض مسرعاً لأصل جامعة بير زيت الساعة الثالثة عصراً ليبدأ دوامي الثاني فيها “، ومن حسن حظه كانت الهيئة الإدارية تعطيه مبلغ 700شيقل ويقوم أمجد بتدبير مواصلاته من وإلى بير زيت مع رفاقه، ليدخر المبلغ ويصرف على نفسه بدلاً من العمل.

انعكس الدبلوم على شخصية أبو العز انعكاساً ايجابياً  لدرجة لم يتوقعها، صحيح أنه يَدرس العلوم السياسية والصحافة في جامعة النجاح الوطنية، لكن الدبلوم جعله ينخرط للواقع العملي لا النظري وصقل شخصية أبو العز من ناحية أكاديمية، فاكتسب العديد من المهارات من خلال عمله مع فريق الBBC، كان أهمُها طريقة عمل المقابلات وطريقة قراءة النشرات الإخبارية والعديد من الأمور الأُخرى.

تخرج أبو العز من جامعة النجاح الوطنية مرحلة البكالوريوس في يوليو سنة 1999، وأنهى الدبلوم من جامعة بير زيت في سبتمبر من العام نفسه.

بالدعم العائلي يتجاوز الفرد الصعاب

كان لأبو العز عائلة متعاونة جداً، أفرادُها شبكة، يضعون أيديهم فوق بعضهم البعض حتى يَكبُر اسمهم للأعلى، فطوال الفترة الدراسية لأمجد كان أخوه الأكبر يدعمه ويسانده مادياً حتى يُكمل تعليمه، وعند انتهاء أمجد من مرحلة التعليم، أصبحت المسؤولية مُلقى على عاتقه، وجاء دوره ليقف بجانب أخيه الأصغر ويسانده في تعليمه، أما الأخوة الثلاث وقفوا جنباً إلى جنب لمساندة أختهم الوحيدة في تعليمها.

محطة ما بعد التخرج

عَمِلَ أمجد في جريدة الأيام الفلسطينية مع الصحفي محمد دراغمة، لكنه لم يكن يمتلك الخبرة فبدأ كمتدرب في الجريدة.

في الخطوة الأولى بدأ أمجد يتردد على قاعات المؤتمرات كمستمع وليس كمشارك، وفي كل مرة يعود بها من مؤتمر يطرح عليه الصحفي محمد السؤال نفسه، شاركت بأيٍ من الأسئلة داخل المؤتمر؟، فيجيبه أمجد بدافع الخجل لا لم أشارك قط.

وفي الخطوة الثانية، بدأ أمجد يتعلم كتابة الأخبار وفقاً لإرشادات الصحفي محمد له، وكما قال أمجد:” كنت أغوص في بحر من الكلمات والمعلومات وتعلمت القاعدة الأولى أن أبدأ بأهم وأجدد ما قاله الأعضاء داخل المؤتمر “.

لكن في تلك الفترة لم تكن الجريدة بحاجة لموظف لكتابة الأخبار، فعرض محمد على أمجد أن يعمل كمنسق توزيع لجرائد في رام الله، ينوه أمجد:” هذا كله وشهادتي الجامعية لم تكن قد صدرت بعد “، فقام أمجد بتشكيل فرق عمل من الجامعة إناث وذكور، بالإضافة لاستئجار باص كانوا يتجولون به كل يوم بمدينة مختلفة، وفي كل مدينة يقوم أمجد بنشر مجموعة الشباب لجمع الإشتراكات، مع العلم أن المبلغ المدفوع لكل فرد كان 25شيقل فقط، ويشير أمجد:” كانت تلك الأيام من أجمل أيام حياتي، فكنا نأخذ الطعام والشراب ونتجول كأننا في رٍحلة “، بتلك الفترة عبرت الجريدة عن فرحتها بما أنجز أمجد فزداد توزيع الجريدة من 3000 إلى 18000، وأصبح اسم فريق النجاح معروف في كل مكان.

وبعد حصوله على ميزانية جيدة من الجريدة، استكمل أمجد حديثه مشيراً:” بعد النجاح الذي حققه فريقي بالضفة اقترحت إدارة الجريدة أن اذهب لغزة لأكشف طريقة لتحسين توزيع الجريدة هناك “، فقبل أمجد العرض وذهب لغزة لمدة 15يوماً، وبتلك الفترة قام أمجد بوضع استراتيجية جديدة لقضية التوزيع، كشف من خلالها أن موزع الجريدة كان يسرق يومياً 30ألف شيقل بحجة أن الجرائد الموزعة مُرتجعة، فكان هناك قضية نصب واحتيال ما بين التوزيع الحقيقي للجريدة وما بين المُرتجع.

تعرض أمجد لمجموعة من التهديدات والشروات في تلك الفترة، حتى لا يقوم بكتابة توصية بعدم التعامل مع المُوزع، فهددوه بالطخ وحاولوا غراءه بمبلغ مالي مُقابل سكوته، لكن لم يكترث لأيٍ من تلك الأمور، وعند عودته قَدمت الجريدة له مكافئة مالية مُقابل إخلاصه وعَمله.

وبعد العمل لمدة تراوحت بين سنة ونص لسنتين في جريدة الأيام، كان أمجد مسرورٌ جداً من تجربته على الرغم من أن راتبه لم يتجاوز ال900شيقل، لكنه اكتسب من الخبرات والحرية ما كان كافياً ليستمتع بعمله، أخاه الأصغر قد أنهى الثانوية العامة في دولة الإمارات، وحان الوقت ليعود للأراضي الفلسطينية ليُكمل تعليمه الجامعي، وكان أمجد قد تعهد له أن يُكمل له تعليمه، فأصبح الأمور مسحوم وعلى أمجد أن يُسافر ويبحث عن عمل جديد براتب يكفي لتدريس أخاه.

محطة السفر والبحث عن عمل

غادر أمجد الأراضي الفلسطيني عام 2001 ووصل المملكة الأردنية، يستذكر أمجد:” لم أكن أمتلك المال لأشتري تذكرة طيارة توصلني للإمارات، فسمعت أن هناك باصات تتجه من الأردن للإمارات، مدة الطريق بها ثلاثة أيام بمبلغ 60دينار، فاتجهت إليها دون تردد “، وبعد أن قطع أمجد ثلاثة أيام في الصحراء وصل الإمارات وباشر البحث عن عمل.

بعد محاولات دامت ثلاثة أشهر، فشل أمجد في إيجاد عمل، فجميع المؤسسات كان شَرطها أن يكون المُقدم على الوظيفة لديه خبرة، انتهت مدة الفيزا فقرر أمجد أن يقوم بتمديدها لمدة شهر، وأن يذهب لجريدة الخليج لتدرب عندهم بأي شيءٍ ممكن، ويتمم أمجد:” جريدة الخليج هي عبارة عن مبنى ضخم يعادل مبنى جامعة النجاح الوطنية في الضفة، مبنى كبير مليءٌ بالأسوار والدخول إليه ليس بأمرٍ سهل “.

تقدم أمجد نحو باب الجريدة لدخول والسؤال إن كان هناك إمكانية لأن يعمل أو يتدرب عِندهم، فتصدى لهُ حرسٌ مصري ومنعه من الدخول وأشار عليه أن الجريدة ليست بحاجة لموظفين، لكن أمجد لم يستسلم وبقي يراقب من بعيد مُنتظر إنتهاء دوام الحرس المصري ليسلم المناوبة لحرسٍ آخر، وبالفعل استلم المناوبة حرس سوداني، فتوجه أمجد إليه قائلا:” السلام عليكم يا زول “، فرد عليه السلام وطلب منه أمجد أن يدخل إلى المبنى ولن يُخبر أحد كيف استطاع الدخول، فقبل الحرس السوداني ودخل أمجد لمبنى الجريدة الضخم متجهاً لغرفة التحرير.

وصل أمجد لمكتب كبير مفتوح شبيهٌ بالقاعة، وبداخله مكاتب مُوزعة، فوجد بداخله رجلٌ كبير بالسن كان اسمه جبر، تعرفا على بعضهم البعض، وباشر أمجد الحديث معه بطلب عمل داخل الجريدة، قائلاً له:” أتيت من فلسطين أبحث عن عمل هنا “، وبعد الحوار المتبادل بينهما، تبين لأمجد أن جبر هو عديل المرحوم ياسر عرفات(أبو عمار)، فأشار جبر على أمجد أن يتكلم مع رئيس التحرير وهو رائد البرقاوي، وأن يطلب منه العمل معهم داخل الجريدة.

انتظر أمجد رئيس التحرير وعند وصوله انطلق للحديث معه، وأخبره أنه جاء للإمارات من فلسطين عن طريق الباص ليبحث عن عمل، فرد عليه بعدم توفر شواغر عمل لديهم، فقال له أمجد:” لا أريد وظيفة، أريد أن أعود لبلدي بشيء جديد فأعطني فرصة لأن أتدرب عندكم “، فوافق رئيس التحرير ووضعه بجانب محرر اقتصادي يُدعى فؤاد ليتعلم منه كيفية التحرير الإقتصادي.

وكل يوم من الساعة الثامنة صباحاً، أصبح أمجد يتجه لجريدة مجاناً دون مقابل لتدريب، وينطلق مع فؤاد لحضور كافة المؤتمرات، وأصبح يقارن ما سمعه مع ما كُتب حتى تعلم فن التحرير الإقتصادي.

بعد مرور شهر على التدريب، انتهت الفيزا التي يمتلكها أمجد، فأخبر الجريدة بذلك وقالوا له أنه بإمكانه مغادرة المكان فلا يوجد وظائف لديهم، وبالفعل عاد أمجد بذات الباص من الإمارات للأردن لمدة دامت أيضاً ثلاثة أيام، وبعد ذلك وصل لفلسطين.

عند وصول أمجد لفلسطين اختفى عن الأنظار لمدة أسبوعين، حيثُ أصبح يعيش داخل خوف من أقوال المجتمع ونظراتهم إليه، والخوف الأكبر من أن يتهموه بالفشل!

وبعد مرور أسبوعين، رن هاتف أمجد وكان المتصل والدته، أخبرته أن الجريدة قاموا بإجراء مُكالمة هاتفية معها تضمن فحواها أنهم يريدون منه العودة إلى الإمارات والعمل داخل الجريدة.

فقام أمجد بالسفر من فلسطين إلى الأردن ومن الأردن للإمارات بنفس طريقة المواصلات السابقة، وفور وصوله توجه لمبنى الجريدة ولحسن حظه إحدى الزميلات استقالت من العمل وأصبح هناك شاغر، وبعد ترشيح اسمه وافقت الهيئة الإدارية، وطُلب منه مباشرة العمل براتب 3000درهم، يصف أبو العز مشاعره قائلاً:” كنت أنا اقل راتب في الجريدة وعلى الرغم من ذلك الفرحة لم تكُن تسعني “، قسم أمجد راتبه لثلاثة أقسام، ألف درهم لأخاه الذي يصغُره سناً، وألف درهم مواصلات، وألف لوالديه.

باشر أمجد العمل بكمية كبيرة من الطاقة، وبعد مرور بضع أشهر أصبح لهُ اسماً يعرف بأصغر صحفي داخل جريدة الخليج، ويتمم أمجد:” كان لقبي الإخطبوط “، فخلال فترة قصيرة تمكن من عمل مجموعة علاقات كبيرة مع رجال أعمال مهمة، فكان محور عمله ضمن نطاق رجال الأعمال السياحة والفنادق، فتمكن خلال فترة عمله من تلقي الدعوات ل125 فندق كنوع من الهدايا.

سافر أمجد لمختلف دول العالم منها تنزانيا بريطانيا تايلاند كينيا فرنسا، وقام بتغطية العديد من المؤتمرات وعمل مقابلات مختلفة مع طبقات من رجال الأعمال، الأمر الذي جعله مميز بعين مُديره، فكان بشكل يومي اسمه يظهر بالصفحة الأولى ضمن الأخبار الإقتصادية، لدرجة أن زملاءه الصحفيين أصبحت حياتهم العملية مهددة بالخطر، لأنه وفي كل مرة كان يُنتج سبق صحفي لم يُنتجه آحدٍ منهم.

من عامل الناس بخُلقٍ حسن شاركهم أخبارهم

كان أمجد ذكيٌ جداً، وحصل على محبة وثقة عدد كبير من رجال الأعمال وذلك لأسباب عدة كان أهمها، في كل مرة كان يذهب فيها لمقابلة رجل أعمال، كان يجلس لمدة لا تقل عن نصف ساعة لساعة ما قبل المقابلة مع السكرتيرة الخاصة لمدير الأعمال، فيعرف منها لمحة عن شخصية المدير، كماذا يُحب ماذا يكره وما هي اهتماماته وما هي الأمور التي ينجذب إليها.

حَصل أمجد على شبكة مميزة من رجال الأعمال، فأصبح عند اتصاله بأي رجل أعمال من أجل إجراء مُقبالة معه يتلقى الموافقة بسهولة، ففي مجتمع رجال الأعمال والإقتصاد، تنشب الغيرة كما تنشب النيران..

يستذكر أمجد موقفه مع إحدى الوزراء:” توجهت إلى المصعد وبرفقتي الوزير وكان لدي خبر يجب أن أودنه ولا أمتلك ورقة لأكتب عليها، فاخذت من جيبة بنطالي 10دراهم وقمت بالكتابة عليها، اندهش الوزير وهم بالضحك علي “.

ويستذكر أمجد مشهداً آخر:” في إحدى السفريات لتنزانيا، تفاجئت بحجز جناح كامل لي ولثلاثة صحفيين آخرين بفندق يُدعى New africa، كانت غرفتي مُطلة على المحيط وورائي سلة هائلة من الفواكه، وبجانبي ثلاجة مليئة بكل ما تشتهيه النفس، في تلك اللحظة أصابني نوبة ضحك هستيرية، فأنا قبل شهر بالضبط لم أكن امتلك ثمن المواصلات، والآن أنا بفندق خمسِ نجوم “.

وجه المدير كلمة لأمجد:” انت ما بتعرف انجليزي كيف أوديك على اريكسون؟ “، بقيت الكلمة ترن في مسامع أمجد حتى جاء موعد الإجازة، فقدم المدير عرض الإجازة، فأخبره أمجد أنه ذاهب إلى بريطانيا ليتعلم اللغة الانجليزية حتى يصبح قادراً على الذهاب إلى اريكسون، فاندهش المدير، وبالفعل سافر أمجد لبريطانيا وعاش لمدة 45 يوماً مع عائلة أجنبية، عاش معهم أدق تفاصيل يومهم، لدرجة أنه قرر أن لا يعود إلى الأمارات، لكنه أُجبر من أجل تكملة المسيرة التعليمية لأخاه.

صورة الحلم التي كان يراها أمجد وتتجسد بشوارع كبيرة وواسعة وشنتة يجرها بيده، يبدو أنها اقتربت كثيراً ..

استمر أمجد في العمل حتى تشاجر مع مديره، وكان في نفس اليوم ذاهب لإجراء مقابلة مع مدير أعمال المؤسسة العربية السيد صالح، فعند وصول أمجد إليه، لاحظ رجل الأعمال أن أمجد خارج عن طبيعته المعتادة، فحدثه أمجد أنه جرى خلاف بينه وبين مديره في العمل، ومع ذلك أكمل أمجد عمله وأجرى معه المقابلة، وفي نهاية اللقاء قدم السيد صالح لأمجد boxبداخله ساعة لا يقل سعرها عن 700دولار، لكن أمجد رفض أن يأخذها، فرفع السيد صالح الهاتف وتكلم مع مدير أمجد وقال له “أنت تمتلك صحفي أمين وصادق نصيحتي لك أن تُحافظ عليه”.

مرحلة الماجستير

بعد عمل دام أربعة سنوات مع جريدة الخليج، قرر أمجد أن يترك عمل الصحافة ويُكمل تعليمه ضمن مرحلة الماجستير، فعرض السيد صالح على أمجد أن يقدم سيرته الذاتية وأوراقه الأكاديمية للمؤسسة الدُولية لطلبة العرب، وفي حال اقتنعت المؤسسة به من ناحية أكاديمية سيدعمه لكي يحصل على منحة لدراسة الماجستير.

وبعد ستةِ شهور من تقديم الطلب تلقى أمجد الموافقة على المنحة، وواصل دراسة الماجستير في علاقة السياسة بالإعلام في جامعة ليفربول في بريطانيا، مع العلم أن أمجد أنهى الماجستير خلال عامٍ واحد فقط من 2004 حتى 2005.

مرحلة الدكتوراه

بعد انتهاء أمجد من مرحلة الماجستير واصل البحث عن منحة أُخرى ليُكمل الدكتوراه، وبالفعل حصل على مِنحة وأكمل الدكتوراه في بريطانيا تخصص علوم سياسية وعلاقات دولية ضمن الدراسات الأوروبية، استمرت دراسته لدكتوراه أربعةِ سنواتٍ ونصف، أي من عام 2006 حتى عام 2011، عَمِلَ امجد خلال دراسته لدكتوراه في جامعة درم في بريطانيا، ووصفها أمجد قائلاً:” كانت من أجمل المدن التي أسكنها، فيها الخضار، وفيها نهرٌ على هيئة أفعى، وهي مدينة تاريخية فيها الكثير من الآثار، ويقال أن من بنى مساجدها مُسلمين”.

قبل أن يُنهي أمجد الدكتوراه عَمِلَ في مصر، ثم عمل في الصحافة، وبعد تخرجه حصل على فرصة عمل كمستشار لشؤون الأوروبية في سفارة الإمارات في لندن.

ومع نهاية عام 2014، عاد أمجد للأراضي الفلسطينية، وعمل كمحاضر في جامعة النجاح الوطنية، ولعل سبب عودته الأساسي حُبه للوطن وشعوره بالحنين إليه،  وشعوره بالمسؤولية اتجاهه ، فتلك البوصلة التي تربطه مع الشباب الفلسطيني ما زالت موجودة.

كل ما اشتدت الحرارة كل ما اشتدت الصلابة

 فعلى الرغم من الصعاب التي تعرض لها أمجد إلا أنه لا يندم على تجربته، لكن كما يقول الإنجليز الغربة والمرض يغيران الإنسان، فأنت في تلك البلاد مجرد رقم يستطيعون ترحيلك بأيِ وقت، إضافة للعنصرية الموجودة في بعض الدول، وافتقادك لشعور بالأمان.

كلما امتلأت حبوب القمح كلما انحنت أرضاً

كان أمجد مثالً لتواضع، فهو أشبه بحبوب القمح التي كلما زادت حبوبها انحنت جذورها للأسفل، أي أنه كلما كان مليءٌ بالعلم والثقافة والفكر كلما زاد تواضعاً وانحنى لناس.

أخبار ذات صله

تعليقات

تحميل ....